السيد محمد سعيد الحكيم
600
فاجعة الطف (أبعادها، ثمراتها، توقيتها)
فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ، ومأوى أصفيائه ، ظهر فيكم حسكة « 1 » النفاق ، وسمل جلباب الدين « 2 » ، ونطق كاظم الغاوين « 3 » ، ونبغ خامل الأقلين « 4 » ، وهدر فنيق المبطلين « 5 » ، فخطر « 6 » في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه « 7 » هاتفاً بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللعزة فيه ملاحظين « 8 » ، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحشمكم فألفاكم غضاباً « 9 » فوسمتم غير إبلكم « 10 » ووردتم غير مشربكم « 11 » . هذا والعهد « 12 » قريب ، والكلم رحيب « 13 » ، والجرح لما
--> ( 1 ) الحسك والحسكة والحسيكة الحقد ، تشبيهاً بنبات الحسك . ( 2 ) سمل بمعنى صار خلِقاً . والجلباب نوع من الثياب ، وأضيف للدين على نحو التشبيه . نظير قوله تعالى : قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ( سورة الأعراف الآية : 26 ) . ومرادها عليها السلام أن الدين قد ضعف أثره فيهم . ( 3 ) الكاظم هو الحابس صوته . ومرادها عليها السلام أن الغواة نطقوا بعد النبي ( ص ) بعد أن كانوا قد اضطروا للسكوت في حياته . ( 4 ) يعني : أن الخاملين الذين لا شأن لهم قد رفعوا رؤوسهم بعد النبي ( ص ) . ( 5 ) هدر البعير ردد صوته في حنجرته ، والفنيق هو الفحل الذي لا يركب لكرامته على أهله . ( 6 ) خطر في مشيته سار معجباً بنفسه يرفع يديه ويضعهما . ( 7 ) كأنها عليها السلام تشبه الشيطان بالقنفذ الذي يخفي رأسه في بدنه عند الخوف ، فإذا ذهب الخوف أطلع رأسه . وكذلك حال الشيطان بعد وفاة النبي ( ص ) . ( 8 ) يعني : تنظرون لأسباب العز التي يسوّل بها الشيطان ، وتنتهزون الفرصة من أجلها . ( 9 ) أحشمه : هيجه وأغضبه . وكأنها عليها السلام تريد أن الشيطان هيجهم واختبرهم فوجدهم قد فقدوا أحلامهم ورشدهم ، فخفوا لطلب الدنيا يغضبون لها ، وينعطفون إليها . ( 10 ) وسم الحيوان : كواه . وكانوا يفعلون به ذلك ليتميز به على أنه ملكه . ( 11 ) يعني : أنكم أتيتم إلى ماء ليس بماء لكم فشربتم منه . وأرادت عليها السلام بهاتين الفقرتين الكناية عن غصبهم للخلافة ، وسلبها من أهلها ، وهم أهل البيت عليهم السلام . ( 12 ) لا يبعد كون مرادها عليها السلام أن العهد الذي أخذ عليهم من الله تعالى ورسوله ( ص ) في أمر الخلافة قريب ، لم يبعد أمده ، كي يمكن الغفلة عنه ونسيانه . ( 13 ) الكلم : الجرح ، والرحيب من الرحب ، وهو السعة . وكأن مرادها عليها السلام أن جرح الإسلام وأهل البيت عليهم السلام بوفاة النبي ( ص ) واسع عميق .